السيد الطباطبائي
30
الإنسان والعقيدة
ثمّ قال سبحانه : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ « 1 » . وقال سبحانه : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الآيات « 2 » . فبيّن أنّ هناك روحا آخر يختصّ به الرّسل عليهم السّلام ، وهو نور يهتدي به الغير ، كما أنّ روح الإيمان نور يهتدي به الإنسان في نفسه . وقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي . . . الخ يبيّن أنّ هذا الروح مهيمن على روح الإيمان ، حيث يفيد علم الكتاب ونور الإيمان ، فظهر أنّ اختلاف الروحين إنّما هو بشدّة الوجود وضعفه ، وليس بالاختلاف الشخصي . وقوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الآية إشارة إلى أنّ بينه وبين الروح الإنساني اتّحادا ، فالاختلاف بينهما أيضا بالشدّة والضعف دون الشخص ، فما هناك إلّا روح واحد . ثمّ قال سبحانه : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ « 3 » . وقال سبحانه : وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ « 4 » . فبيّن بذلك أنّ الروح أرفع منزلة من الملائكة ، وأنّه يتّحد معهم قائما عليهم ، كما يشير إليه قوله سبحانه : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ « 5 » .
--> ( 1 ) سورة غافر : الآية 15 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 52 . ( 3 ) سورة النحل : الآية 2 . ( 4 ) سورة الأنبياء : الآية 27 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 97 .